محمد بن جرير الطبري
293
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
بأهلها . فلا خِلالُ بعضهم بعضًا نَفعهم عند ورُودهم على ربهم ، ( 1 ) ولا عبادتُهم أندادهم ولا طاعتهم شياطينهم ؛ ولا دافعت عنهم أرحامٌ فنصرتهم من انتقام الله منهم ، ولا أغنت عنهم أعمالهم ، بل صارت عليهم حسرات . فكل أسباب الكفار منقطعة . فلا مَعْنِىَّ أبلغُ - في تأويل قوله : " وتقطعت بهم الأسباب " - من صفة الله [ ذلك ] وذلك ما بيَّنا من [ تقطّع ] جَميع أسبابهم دون بَعضها ، ( 2 ) على ما قلنا في ذلك . ومن ادعى أن المعنيَّ بذلك خاص من الأسباب ، سُئل عن البيان على دعواه من أصلٍ لا منازع فيه ، وعورض بقول مخالفه فيه . فلن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا } قال أبو جعفر : يعني بقوله تعالى ذكره : " وقَال الذين اتَّبعوا " ، وقال أتباع الرجال - الذين كانوا اتخذوهم أندادًا من دون الله يطيعونهم في معصية الله ، ويَعصُون ربَّهم في طاعتهم ، إذ يرون عَذابَ الله في الآخرة - : " لو أن لنا كرة " . * * * يعني " بالكرة " ، الرجعةَ إلى الدنيا ، من قول القائل : " كررَت على القوم أكُرَّ كرًّا " ، و " الكرَّة " المرة الواحدة ، وذلك إذا حمل عليهم راجعًا عليهم بعد الانصراف عنهم ، كما قال الأخطل :
--> ( 1 ) في المطبوعة : " ينفعهم " ، والصواب ما أثبت ، فالأفعال قبله وبعده كلها ماضية . والخلال مصدر خاله ( بشديد اللام ) يخاله مخالة وخلالا : وهي الصداقة والمودة ، يقول امرؤ القيس : صَرَفتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدَى . . . فَلَسْتُ بِمَقْلِيِّ الخِلالِ وَلاَ قَالي ( 2 ) الزيادة التي بين الأقواس ، لا بد منها حتى يستقم صدر الكلام وآخره ، في الجملة التالية . ويعني بقوله " صفة الله " : ما وصف الله سبحانه من تقطع أسباب الكافرين يوم القيامة ، كالذي عدده آنفًا في الفقرة السالفة .